محمد بن جرير الطبري

303

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

ذلك الميثاق ، وتكذيبهم ما وكدوا على أنفسهم له بالوفاء من العهود ، ( 1 ) بقوله : ( ثم أقررتم وأنتم تشهدون ) . فإذْ كان خارجا على وجه الخطاب للذين كانوا على عهد نبينا صلى الله عليه وسلم منهم ، ( 2 ) فإنه معني به كل من واثق بالميثاق منهم على عهد موسى ومن بعده ، وكل من شهد منهم بتصديق ما في التوراة . لأن الله جل ثناؤه لم يخصص بقوله : ( ثم أقررتم وأنتم تشهدون ) - وما أشبه ذلك من الآي - بعضهم دون بعض . والآية محتملة أن يكون أريد بها جميعهم . فإذْ كان ذلك كذلك ، ( 3 ) فليس لأحد أن يدعي أنه أريد بها بعض منهم دون بعض . وكذلك حكم الآية التي بعدها ، أعني قوله : ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ) الآية . لأنه قد ذكر لنا أن أوائلهم قد كانوا يفعلون من ذلك ما كان يفعله أواخرهم الذين أدركوا عصر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } قال أبو جعفر : ويتجه في قوله : ( ثم أنتم هؤلاء ) وجهان . أحدهما أن يكون أريد به : ثم أنتم يا هؤلاء ، فترك " يا " استغناء بدلالة الكلام عليه ، كما قال : ( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ) [ يوسف : 29 ] ، وتأويله : يا يوسف أعرض عن هذا . فيكون معنى الكلام حينئذ : ثم أنتم يا معشر يهود بني إسرائيل - بعد إقراركم بالميثاق الذي أخذته عليكم : لا تسفكون دماءكم ، ولا تخرجون أنفسكم

--> ( 1 ) سياق العبارة : " وتكذيبهم ما وكدوا من العهود على أنفسهم بالوفاء له . . " ، فقدم وأخر . ( 2 ) في المطبوعة : " فإن كان خارجا . . " وهو تصحيف لا يستقيم . ( 3 ) في المطبوعة : " فإن كان ذلك كذلك " ، وهو تصحيف لا يستقيم أيضًا .